تشجير الأقوال في مسألة الغناء والمعازف

بسم الله الرحمن الرحيم
أهلاً وسهلاً والسلام عليكمُ، والورد والطيب يُزف إليكمُ.

هذه الخاطرة، خاصة للمهتمين بالقضايا الفقهية، ولطلبة العلم.

نبدأ باسم الله..

اختلف العلماء رحمهم الله في الغناء والمعازف اختلافاً كبيراً، وهو قديم.

ومذاهبهم في الجملة لا تخرج عن الآتي:

١- قسم حرمهما مطلقاً.
٢- قسم أباح مطلقاً الغناء والمعازف (من حيث أصلهما).
٣- قسم توسط فيهما.

والكتب والرسائل القديمة والحديثة قد أسهبت في هذا الموضوع إسهاباً عظيماً.

وليس هدفي في هذه الأسطر تحرير الحكم فيها – فقد سبقني علماء وأئمة – وإنما أردتُ تشجير أقوالهم مع توضيح نقاط الخلاف.

مقدمة

يجدر أن نتنبه إلى نقاط قبل الخوض في تحرير حكم أي مسألة:
النقطة الأولى: التفريق في معاني الألفاظ ؛ بمعنى: إلى التفريق بين (الغناء) وَ (المعازف)، فإن بعض العلماء خلط بينهما، فجعل لهما نفس الحكم، أو استخرج حكم الغناء بالنظر إلى أدلة المعازف، أو العكس.

النقطة الثانية: أن الغناء والمغازف حكم شرعي، مصدره الكتاب والسنة فقط، أما آراء السلف مهما كان علمهم وتقواهم، فإنه لا يمكن اعتبارها نصٌ يشرَّع به.

س: لماذا اختلفت آراء العلماء في المسألة؟

أصل الخلاف في المسألة – كغيرها من المسائل الفقهية – نبع من اختلافهم في:

١- ثبوت النص من عدمه.
٢- ثبوت الدلالة على المعنى، أو تعيينه.
ودعونا الآن – أيها الكرام – نرى كيف كان تعامل العلماء رحمهم الله مع هذه الأدلة ودلالاتها.

س: مذاهب العلماء ونقطة خلافهم؟

١- الفريق الذي حرمهما مطلقاً.
هذا الفريق لم يثبت دلالة الأحاديث الصحيحة إلا على التحريم المطلق ؛ وتأول الأدلة التي وردت في المسألة بإباحة (ولو كانت جزئية).

٢- الفريق الذي أباح الغناء والمعازف مطلقاً.
هذا الفريق لم يثبت دلالة الأحاديث الصحيحة إلا على الإباحة المطلقة ؛ وتأول الأدلة التي وردت في المسألة بالمنع.

٣- وفريق توسط بينهما، وهم طرائق متعددة.

وتناولوا المسألة من نواحي:
الأولى: الآلة:
فمنهم من أباح آلات معينة ثبت النص بأن النبي صلى الله عليه وسلم سمعها وأصحابه (كالدف).

الثانية: الوقت:
فمنهم من أباحها في أوقات معينة (وقوفاً مع ظواهر بعض النصوص).
ومنهم من أباحها في أي وقت.

الثالثة: الجنس:
فمنهم من أباحها للنساء دون الرجال.
ومنهم من أباحها للجميع.

وأما التفصيل في بعض الأدلة وكيف فهم منها العلماء التحريم، في حين فهم آخرون الإباحة، فيطول، ويمكن نقله أو كتابته في وقت آخر، ويمكن مراجعة ألبوم (قضايا دعوية معاصرة) للدكتور على بن حمزة العمري فقد تعرض لبعض هذه الأحاديث وكيف فهمها العلماء.

هذا وكلامهم عن الغناء والمعازف من حيث التأصيل، أما إذا أضيفت إليها محرمات أخرى (كلمات محرمة، مشاهد محرمة..إلخ) ؛ فتحريمها لأجل هذه الأخيرة واضح، دون الحاجة للبحث في حكم الغناء أو المعازف.

س: ما بعض الكتب التي تناولت المسألة من المذاهب الثلاثة؟

وقد تناول العلماء وطلاب العلم هذه المسألة بالتأليف والكتابة قديماً وحديثاً.
وهذه بعض الكتب التي تناولت المسألة، مرتبة بحسب الأقسام الثلاثة السابقة:

١- الكتب التي حرمت الغناء والمعازف.
عامة كتب علماء المملكة و« السلفيين ».

وينقسمون إلى قسمين:
الأول: يحرم الغناء والمعازف.
والثاني: يحرم المعازف ويبيح الغناء.

ومن أبرز الكتب التي اطلعت عليها:
أ) كتاب (تحريم آلات الطرب) للشيخ الألباني رحمه الله تعالى.
وهو من أقوى الكتب في الباب على صغر حجمه، خصوصاً أنه اعتنى بالجانب الحديثي من المسألة، وللشيخ رحمه الله متابعة للسابقين في بعض الأقوال ؛ تجعل من بعض أقواله – رحمه الله – أقوالاً تحتاج إلى مراجعة (وإن كانت قليلة).

ب) كتاب (أحكام الفن في الشريعة الإسلامية) للدكتور صالح الشامي، وهي رسالة ماجستير أو دكتوراه، يرى بعضهم أنها فيها مآخذ علمية (خصوصاً في مسألتنا) وبشكل خاص في الجمع والترجيح.

وفي الردود على المخالفين:
ج) كتاب (الرد على القرضاوي والجديع) للشيخ عبد الله رمضان موسى.
وهو كتاب رد فيه صاحبه على مبيحي المعازف جملة، وخص منهم أربعة: القرضاوي، والجديع، والثقفي، والمرعشلي، وسيأتي ذكر كتبهم.
والكتاب له نفس علمي وعقلي كبير، ولكنه لم يخل من متابعة أحياناً، وفيه حدة.
ولكن والحق يقال أن فيه علماً غزيراً وخيراً كثيراً.

د) كتاب (الريح القاصف) للشيخ ذياب الغامدي، وقد قدم له الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى.
وهو رد على أحد الدكاترة ممن ألف بالإباحة، وهو سالم الثقفي.
والكتاب أقصد الريح القاصف – فيه خير كثير، وفيه أدب واضح، وحدة خفية.

٢- الكتب التي أباحت الغناء والمعازف:
وأما الكتب التي أباحت الغناء والمعازف، فمن أشهر الكتب فيه (بل أشهرها):

أ) رسالة الامام ابن حزم في إباحة الملاهي، وهي مستند كثير من المبيحين اليوم، وقد رد عليه بعض العلماء رحم الله الجميع.

ب) ومن أشهر الكتب كذلك (بل أشهرها في عصرنا بعد كتاب ابن حزم) كتاب الدكتور يوسف القرضاوي.
والكتاب على ما فيه من خير وعلم، إلا أن المناقشة للمسألة لم تكن بتلك القوة، وكأني بروح الكتاب كانت دعوية أكثر من كونها علمية.

ج) والكتاب الثالث هو كتاب (الموسيقى والغناء في ميزان الإسلام) للشيخ عبد الله بن يوسف الجديع، ويعتبر من أقوى الكتب علمياً في الباب (إن لم يكن أقواها، خصوصاً وأنه ممن يشتغل بالحديث).
وقوة الكتاب كانت واضحة في البحث، ولا نتحدث عن النتيجة، فقد سلك مسلكاً رائعاً، وخط خطة مميزة سار عليها، وفي الكتاب ضخامة استوعب بها تقريباً جميع ما قيل في المسألة، وفيه استطرادات أحياناً مشغلة.
وقد ألف قديماً الطبعة الأولى الذي جمع فيه مادة الكتاب الحديثية، وقد أثنى عليها الشيخ الألباني رحمه الله، ثم بعد سنوات – بعد وفاة الألباني رحمه الله – خرجت الطبعة الثانية للكتاب، وفيها إضافةً للجزء الحديثي، جزء فقهي، توصل فيه إلى الإباحة المطلقة.

والكاتب وإن كان يوافق في كثير مما كتب – خصوصاً في التأصيل – إلا أن بعض العلماء وطلاب العلم، من الفريق السابق ألف في الرد عليه، وكلا الكتابين – هذا والرد- وإن كان فيهما علماً غزيراً وحدةً، إلا أن الحدة في الرد أظهر منها في هذا، وفي هذا حدة خفية.
ولم يسلم الكتاب كذلك من بعض التجاوز السريع لعدد من أحاديث الباب.
كذلك انتقد عليه مخالفوه تضعيفه لأحاديث، قد صححها في طبعته الأولى، وضعفها في الطبعة الثانية.

د) كتاب للدكتور سالم الثقفي، ولم أطلع بنفسي على الكتاب، ويمكن الاستزادة عنه من كتاب (الريح القاصف فهو رد عليه).

هـ) كتاب للدكتور المرعشلي، وقد قدم له الدكتور وهبة الزحيلي، ولم اطلع عليه.

ولا يغرنك كثرة المبيحين والمحرمين، فكثير منهم ينقلون عن بعضهم البعض، وليكن همك الدليل.

٣- ومن الكتب التي توسطت في المسألة:
كتاب (النشيد الإسلامي) للدكتور على بن حمزة العُمري، وهو من أجمل الكتب – ولكنه صغير مقارنة بأقرانه من الكتب السابقة -، توصل فيه إلى نتائج أهمها (فيما أذكر) :
١- تحريم المعازف كلها إلا ما ورد النص عليه.
٢- ما ورد فيه النص (كالدف والدف بجلاجل) فهو مباح للجنسين في أي وقت ما لم يشغل عن واجب.
٣- ما عدا ذلك من الأصوات فينظر فيها، فإن كانت موسيقى ألحقت بها، وإن لم تكن منها أبيحت.

هذا تخطيط عام لهذه المسألة، ودعونا أيها الأحبة نختم بـ

نقطتين

الأولى: نسائم تربوية:

النسمة الأولى: أن تناولنا لهذه المسألة يجب أن لا يخرجنا عن أدب الخلاف.
فهذه المسألة ليست من الأصول، فالبعض ضخمها وكأنها كبيرة، وليست كذلك عند كثير من العلماء، بل ربما أكثرهم.

النسمة الثانية: بغض النظر عن الحكم الشرعي، ما هي حالة الشخص الإيمانية (سواءً أكان مبيحاً أم محرِّماً)؟
كيف صلاته وعباداته؟
بعضهم يجري في أروقة الجامعات يوزع كتب الإباحة وصلاته الله العالم بها!!
وآخرون يهتفون بالتحريم وقلوبهم  مريضة بالحقد والحسد لإخوانهم من العلماء.
فصلاح القلب هو الغاية المتفق عليها.

الثانية: وقد طرحها بعض العلماء، وهي: أنفرح لتتابع العلماء أو طلاب العلم على الإباحة أم نحزن؟
أنفرح لأنه تحقق قوله صلى الله عليه وسلم: (ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف)؟!
أم نحزن على أن هؤلاء الأقوام هم من أصدقائنا وعلمائنا وأحبابنا؟!

وأيا كان رأيك بالإباحة أو المنع ؛ فليكن لك ورد من القرآن تقرؤه، وتعيش معه، فإن العلماء وإن اختلفوا في إباحة الغناء والمعازف، فإنهم لم يختلفوا في استحباب قراءة القرآن وسماعه.

متعنا الله وإياك – أخي – بالقرآن!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s